السيد الطباطبائي
308
الإنسان والعقيدة
ومراتب معرفة اللّه تعالى على ما بيّنه الإمام عليه السّلام خمس : الأولى : معرفة اللّه والإقرار بالوهيّته ، وهي : الاعتقاد النظري أنّ للعالم إلها ، والاعتقاد النظري هذا يشترك فيه المشرك والموحّد ، كالوثنيّة والثنوية وأهل الكتاب والمسلمين . وكذلك يدخل مع هؤلاء كلّ من اعترف بالإله ، وأذعن بوجوده وصدّق به وخضع له ، أو اقتصر على مجرّد العلم النظري ، مع تكبّره واستنكافه عن عبادته تعالى ، فمراده عليه السّلام من الدين في قوله : « أوّل الدّين معرفته » مطلق الدين المقابل للزندقة والإلحاد . الثانية : التصديق به ، والتصديق هذا هو الذي يوجب خضوع الإنسان له في عبوديّته ، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد ويثبت ، ولذلك كان هذا التصديق كمال المعرفة ، ومن كلامه عليه السّلام في هذا الباب أيضا قوله : « لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكّا إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقّنتم فأقدموا » « 1 » . وقوله : « العلم مقرون بالعمل » « 2 » ، وبذلك - أي بالعمل - يمتاز الموحّد المتعبّد عن الملحد المتكبّر . الثالثة : توحيده تعالى ، وهو إثبات أنّه تعالى واحد لا شريك له ، وبذلك يمتاز دين التوحيد عن أديان الشرك ، التي تثبت مع اللّه آلهة أخرى - تعالى اللّه عن ذلك - والتوحيد هو كمال التصديق كما قال عليه السّلام : « وكمال معرفته التّصديق به » . الرابعة : الإخلاص له تعالى بالإعراض عمّا سواه علما وعملا ، وقصر الوجود
--> ( 1 ) نهج البلاغة : 524 ، الحكمة 274 ، حكم أمير المؤمنين عليه السّلام . ( 2 ) قد أشرنا إلى مصدر هذا الحديث فيما سلف ، فراجع الصفحة 289 من هذا الكتاب .